كان ذلك آخر ما تبقى في ذاكرتي من سهرة مباراة نهائي كأس العالم التي أُقيمت في الولايات المتّحدة الأميركيّة سنة 1994.
لا أزال أذكر أول عضّة كلب وأول قصة حب في المدرسة وأول تحية إيطالية تعلمتها: «فا فنكولو». اكتشفت فيما بعد أنها تعني: «روح نيّك». حدث ذلك كلّه خلال صيف 1994. غالبني النوم بشكلٍ مفاجئ خلال مباراة إيطاليا والبرازيل في نهائي كأس العالم تلك السنة. بوسعي أن أحزر أنه منتصف الشوط الثاني. ظلّت تصويبة ماورو سيلفا عالقةً بذهني، ليس بسبب اصطدامها بالقائم بعد اضطراب باليوكا الذي أفلت الكرة من يده وقبّل القائم متنفّسًا الصعداء، لكن بسبب عمّي، المناصر لإيطاليا، الذي نطق بكلمة «فافنكولو» مغتاظًا. أدمنتُ استعمال الكلمة كتحيّة صباحيّة بعدما أخبرني عمّي بأنّها مرادف شوارعيّ لكلمة «يعطيك الصحة»، أي «أحسنت»، حتى يتجنّب إحراج العائلة والجيران المجتمعين وقتها.
كان ذلك آخر ما تبقى في ذاكرتي من سهرة مباراة نهائي كأس العالم التي أُقيمت في الولايات المتّحدة الأميركيّة سنة 1994.
لم أفرح كثيرًا بأوّل عطلةٍ مدرسيّةٍ حظيت بها خلال تلك الصائفة. حزنت وقتها لنهاية العام الدراسي لأنني لن أجالس هاجَر من جديد. تزامن ذلك مع صدمةٍ عصيبة عشتها أول الصيف بعدما هاجمني الجنرال، كلب جارنا المتقاعد من الجيش، في طريق عودتي من المخبزة. ظللت أرتعد من الرتب العسكرية لوقتٍ طويل، وارتبطت هرمية التسميات في ذهني بمدى الشراسة. لم يخيّبني حدسي الطفوليّ فيما بعد.
تعرّفت إلى هاجَر خلال يومي الأول في المدرسة. دخلت متأخرًا عن الجميع بسبب عمري، إذ كنت الأصغر على لائحة القبول. اصطحبني عمي في يومي الأول. فوجئت بمعلمي الذي كان إمام الجامع الوحيد في القرية في الوقت نفسه. تملّكتني الرهبة وكدت أفرّ هاربًا. تذكّرت غضبه منّا عندما لعبتُ الغميضة ذات صيفٍ مع أصدقاء الحي ودخلتُ الجامع بِنيّة الاختباء وراء جدي أثناء سجوده. عندما أشار إليّ بالجلوس بجانب هاجر في المقعد الأمامي، نسيت خوفي وتركت يد عمّي لأهرع صوبها. لا أذكر الكثير عن سنتي الدراسية عدا هوسي بهاجر ودفتر الأعداد الأزرق الصغير، بالإضافة إلى قطع الطباشير التي أتعمّد سرقتها منها حتى أتذكّر ملمس أصابعها.
اقترنتُ بداية الصيف بحفل تسليم جوائز المدرسة ومجاورتي لِهاجر أثناء التقاط الصورة الجماعية للمتفوّقين، بالإضافة إلى عزوفي عن مباريات كرة القدم في الحيّ وانسحابي من عصابة «النمور» ومخططاتها للإغارة على أشجار البِيثر في الحقول المجاورة. نَهرَنا الإمام عن لعب الغميضة في محيط الجامع، وغادرت هاجر بعد حفل تسليم الجوائز لقضاء عطلة الصيف مع عائلتها في مدينة ساحلية. كنت حزينًا. لكن الأمور تغيّرت مع نجاح عمتي في امتحان الباكالوريا. سرعان ما نسيت هاجر وقطع الطباشير، واسترجعت مكانتي ضمن زعامات النمور بعدما ضربت جرس منزل كلاودييتا الإيطالية وفررتُ هاربًا باتجاه زمرتي التي اختبأتْ بحائط المقبرة. خرجت كلاودييتا بلباسها القصير مزمجرة، وكان ذلك انتصارًا مذهلا وغنيمةً بصرية لأطفالٍ لم يبلغ أكبرهم سنّ العاشرة، اقتصر خيالهم على لحظة عُريٍ مسروقة من قناة رايونو الإيطالية على شاشة التلفزيون مساءً.
View this post on Instagram
انتقلت العائلة إلى القرية منذ السبعينيات. كأغلب السكان الذين لا يملكون أراضي زراعية، هاجر جدي من القرية للعمل في حقول الشمال أثناء الاستعمار الفرنسي. مكث سنوات طويلة هناك ورجع إلى القرية بعد أن كبرت العائلة. اشترى قطعة أرضٍ صغيرة وبنى الحوش. ترك مهنته كمزارعٍ في أراضي الآخرين واشتغل كسّارَ حجرٍ، لكنه انقطع عن العمل بعد أن انقلبت به العربة التي يجرّها بغل، والمسماة الكرّيطة.
استأنسنا مراسم الموت منذ وقتٍ مبكر. يقع الحوش في الحي الذي يحتضن المقبرة والمخبز الوحيدين في القرية وعلى مقربةٍ من الجامع. لم يكن للمقبرة سور، ما جعل القبور على مرمى نظرٍ دائم بالنسبة لنا. مثّلت الجنازات فرصةً للمغامرة لدينا. يختبئ بعضنا بين أشجار السرو التي أثار تواجدها المكثف فضولي. علمت في وقتٍ متأخر أنها مرتبطة بالحداد وتُعَدّ من رموز الحزن والجنائز. أحيانًا يسبق حفر القبر فعالية الدفن بليلةٍ. كنا نختبر شجاعتنا بالنزول إلى الحفرة بعد الغروب. كسبنا حظوةً بين بقية الأحياء التي كانت تهابنا لمجاورتنا عالم الأموات، حتى أننا صنعنا ملعبنا الرسمي في قلب المقبرة وسط الشواهد والأضرحة. في تناظرٍ عكسي، يقابل الباب الرئيسي للمقبرة مخبز القرية الذي تنطلق منه الحياة صباحًا إلى كل شرايينها عبر توزيع الخبز. يستأثر الجامع بمكانةٍ رمزية على الجانب الآخر، إذ يقع بجانب مكتب العمدة وتحتضن ساحته الأمامية فعاليات الزردة الموسمية وخرجات الطريقة العيساوية التي كان جدي ناقرَ طبلٍ في فرقتها.
View this post on Instagram
اكتسبت الطريقة العيساوية جاذبية شعبيةً في قريتنا وبقية الأرياف المجاورة من خلال مراسمها الاحتفالية. يستحضر أتباعها أسطورة مؤسس الطريقة محمد بن عيسى وأتباعه من مدينة مكناس المغربية واقتياتهم في الخلاء على العقارب والأفاعي والزجاج الحادّ التي تتحوّل في أفواههم إلى مذاقٍ طيب، فيما يستعرض أحد المريدين رقصًا متخمرًا يشق خلاله بطنه بسيفٍ حاد. ترافق احتفالات العيساوية في القرية مع الزردة التي ننتظرها بكثيرٍ من الشغف وتنطلق من مرقد سيدي عبد العزيز بجانب الجامع، وتُنحر خلالها الأضاحي التي تُوزّع لحمها على العامة. أتذكر بكثير من الضبابية مشهد جدّي في إحدى المناسبات وهو يساير رقص المتخمّرين أثناء الزردة بنقرات طبلٍ مهيبة، وجمعٌ من المجاذيب العراة من حوله يهشّمون الزجاج بأسنانهم ويرمون بالعقارب في أفواههم. يظهر جدي أيضًا في بعض الصور الفوتوغرافية وهو يرقص متلحِّفًا بالعَرّاقية فوق رأسه في زفاف عمتي الوسطى، وأخرى وهو يتلقّى فيها التهاني ويميل بجسده مشاكسًا إحداهنّ خلال حدث نجاح عمتي الصغرى في الباكالوريا.
استثمرتُ نجاح عمتي لصالحي وعزّزتُ موقعي في عصابة الحيّ. حاول الجميع كسب ودّي وقتها طمعًا في الكوكا وصناديق المشروبات الغازية التي يحملها الضيوف معهم في تقليدٍ رافق طقوس التهنئة في مناسبات النجاح. غنمتُ من عمتي الصغرى ثروةً صغيرة ممّا كانت تتلقّاه من الأسخياء من أقاربنا من رِشق النجاح: ورقات الخمس دنانير الحمراء. توّجتني الظروف ملكًا بعد انكسارٍ سبّبه ابتعادي عن هاجر. حتى خلال مباريات كرة القدم، جعلني الجميع في موقع الهجوم بالرغم من بساطة إمكانياتي في اللعب.
استمرّ الأمر لأيامٍ عديدة. خفّت وتيرة الاحتفال بنجاح عمّتي تدريجيًا، وتراجعتُ إلى مواقع الدفاع ثم بديلًا لحارس المرمى في أحسن الحالات. شحّت موارد النمور واقتصرت غنائمنا على بعض البطيخات من حقل بعيدٍ، نال عزّوز بسببها عضّة كلبٍ مسعور. تذكّرت هاجر فجأةً ودخلت جولةً جديدةً من الحزن. كنت بحاجةٍ إلى معجزة ثانية.
أنقذتني كرة القدم. ليس لهدفٍ قد سجّلته ضد حومة الملاجي، ولا لانتصارٍ صنعته أمام فريق الحمادة العتيد، ولا حتى لرميي الموفّق خلال غارة حجارةٍ مظفرة بعد خسارتنا أمام فريق قِزمير الذي انفصل عن حومة الجبّانة وانضمّ إلى فريق وسط البلد. طبعًا لم أشارك في أيٍّ من تلك الأمجاد، لكن بطولة كأس العالم التي أقيمت وقتها في أميركا أنقذتني.
احتلّت كرة القدم الحيّز الأهمّ في حياتنا اليومية وتقاليد العائلة. نلتقي كل ليلةٍ في منزل جدي أمام تلفزيون طومسون الكبير بالأبيض والأسود. يتطوّع شخصان لإخراجه إلى الباحة الواسعة وسط الحوش مع ارتفاع درجات الحرارة صيفًا. تبدأ التحضيرات مع بداية العشية. يأمرني جدّي بتبريد باحة الحوش بدلو الماء ومساعدته في صناعة مشمومه اليومي من الياسمين كي يشكه وراء أذنه. أقطف له نورات زهر الياسمين التي لم تتفتّح بعد. يرصفها حول عود جاف من السعف ويحيطها بورقة عنب يشدّها بخيط أبيض رفيع حتى يكوّن باقة صغيرة. يترك جدي المشموم لسويعات قليلة وراء أذنه ثم ينزع عنه ورقة العنب لتتفتح الأزهار ويبثّ رائحة عطرة أشتمّها على بعد أمتار. المشموم حليّ كبار السن. يحمل بصمتهم في الصنع والزخرفة. يتميّز جدّي عن أصدقائه بلفّة مثالية لورق العنب وبكرة خيط زامنته لوقتٍ طويل، لا أحد يعرف سرها أو من أهداه إياها. يصطحبني كل عشية إلى وسط القرية ليلعب الورق مع صديقه وجاره المولدي، أو «الحاج» كما يناديه الجميع. يتبجّح بمشمومه ويغيظ رفاقه الذين يتكالبون عليه غالبًا لسرقة المشموم أثناء انهماكه في اللعب. عندما ينجو من السطو، يأتمنني عليه أثناء ذهابه إلى الجامع لصلاة المغرب ويشتري لي الكاكوية النيئة. أحملها إلى جدتي التي ترميها فوق قدرٍ معدني على كانون الفخار تحضيرًا للسهرة وتخصني بحصةٍ استثنائية في غفلةٍ من الجميع.
هكذا كان يومي يمرّ بسرعةٍ تنسيني خيبة ابتعادي عن المغامرات؛ من أجواء مباريات كرة القدم ضمن فريق الجبّانة التي استعر وطيسها مع بداية البطولة المحلية غير المعلنة بين الأحياء، إلى جولات الإغارة المسائية على حقول البطيخ البعيدة بعد أن انتقم عزّوز من الكلب المسعور واستدرجه إلى بئرٍ عميقة ليتخلّص منه. تخلّيت عن زعامتي تدريجياً بعد أن اشترى لي أبي مجلة صور الفرق المشاركة التي صنعت ثقافتي المبكرة لكرة القدم بالتعرّف إلى اللاعبين، وأصبحت قطًا في نظر رفاقي بعد تنازلي عن هويتي كنمرٍ ضمن العصابة. بعضهم أطلق عليّ ساخراً لقب النمر الوردي. تركتُ الإغارات المسائية وبدأت بمتابعة كل المباريات التي تبدأ في وقتٍ مبكر. صارت هوايتي تخمين أسماء اللاعبين صحبة معلّق التلفزيون، وشعرت بالتكبّر أمام أقراني وأنا أتبجّح أمامهم بأسماء مثل راشيدي ياكيني وكلينزمان وروجيه ميلا.
Security where code happens 💫
— bridgecrew (@bridgecrewio) August 31, 2022